أونبارك يكتب: مساهمة المجالس المنتخبة في وضع برامجها التنموية…من المسؤول؟

8 ديسمبر 2025
أونبارك يكتب: مساهمة المجالس المنتخبة في وضع برامجها التنموية…من المسؤول؟

المعركة

ضعف مساهمة المجالس المنتخبة في وضع برامجها التنموية…من المسؤول؟

بقلم: إبراهيم أونبارك 

لم يسبق للمدبر المحلي فعليا، في زمن من أزمنة المغرب المعاصر أن تولى زمام تدبير التراب الجماعي بشكل كلي ومستقل، إذ كانت أركان “المخزن” في الواقع( دون الخوض هنا في الدلالات السياسية والأنثربولوجية للمفهوم) هي من تتولى وضع السياسات التدبيرية، وهي من تسهر على تنفيذها عبر ممثليها جهويا ومحليا. وكان نصيب المنتخب والساكنة هو صراعات جانبية لا علاقة لها بالتنافس حول التحكم في قيادة التنمية، بقدر ما كان صراعات مجانية، لم تساهم إلا في تقوية شوكة القبلية والعصبية وتصفية الحسابات الضيقة، ليس فقط بين المنتخبين، بل بين الأحياء والدواوير، وأحيانا بين أفراد الأسرة الواحدة.

لكن هذه العلاقة بين السلطة الممثلة للإدارة المركزية، أو ما أضحى يعرف بالسلطة الإدارية المحلية، والمجسدة في السادة الولاة والعمال والباشوات والقياد، أو من ينوب عنهم، والمنتخب المحلي، أصبحت محط نقاش اليوم أكثر من أي وقت مضى، سواء على مستوى الرأي العام أو على مستوى البحوث الأكاديمية التي بات هذا الموضوع وتساؤلاته، تجلب الباحثين في مختلف التخصصات والمجالات، والتي يصعب لمس خيوطها، إذ ظل الغموض يلفها، مثلما يلف الترسانات القانونية المتتالية التي دأبت على بذل الجهد لتوضيحها قدر الإمكان.

لنصل اليوم إلى مرحلة أبانت، في مجملها، عن كون المجالس الجماعية المنتخبة غير قادرة، ودون تعميم طبعا، على تنفيذ برامجها والوفاء بوعودها الانتخابية، بل زكى المناخ السائد حول الاعتقالات والمتابعات القانونية للكثير من مدبري الشأن الجماعي نوعا من ” اللاَّصِدق” الذي أصبح يسكن مخيلة المواطن، باعتبار المنتخب “خائنا” وسارقا وفاسدا…، إلى أن يثبت العكس. فمع الساكنة، يكون كل ممارس للسياسة وكل مستشار جماعي ” متهم إلى حين”. بل أضحى التمثل الجمعي للساكنة يصنف كل من سولت له اختيار مسار السياسة بمثابة “انتحار لفرد في سمعته ومصداقيته وحسن نيته.

وإذا كانت المناسبة شرطا مثلما يقال، فسياق الموضوع مرتبط أساسا بشروع الولاة والعمال في قيادة مشاورات الجيل الجديد من برامج التنمية التي وضعت لها الخطب الملكية خارطة طريق نحو إصلاح سيرورة بناء المشاريع التنموية لتمس الحياة المباشرة للمواطن، وما اسفرت عنه على مستوى الواقع، سواء من حيث حضور المجالس الجماعية كـ”ملاحظين” أو كمواطنين “لا يد لهم في بناء هذه البرامج”، بل منهم من حضر ودعوة قضائية على عاتقه، أو للتو غادر السجن جراء تابعات الفساد المالي أو التدبيري للجماعة التي يسيرها. كل هذا، يضعنا أمام سلسلة من الأسئلة، أو بالأحرى، مآلات محتملة للتفكير من لدننا جميعا، حتى يتسنى لنا تجاوز هذه الوضعية التي لن تساهم إلا في مزيد من تأزيم المشهد التدبيري والسياسي والحزبي ببلدنا.

فمثلما يقال في أدبيات العرب: تعددت الأسباب والموت واحد، يمكن القول اختصارا اليوم: تعددت نواقص المنتخب المحلي والنتيجة واحدة: جني مجالسنا الجماعية لنظرة انتقاص من رأي عام قد يصيب قليلا ويخطئ كثيرا، لكنه لا يرحم. لكن تفاصيل الانتكاسات المتتالية لموقع المنتخب المحلي وراءه تاريخ، أفرز في مجمله، أسبابا ذاتية وأخرى موضوعية، يمكن حصرها فيما يلي:

– ضعف استقلالية قرارات المجلس الجماعي: رغم التقدم الملحوظ في القوانين المنظمة للجماعات الترابية على مختلف الأصعدة، فمن الناحية الفعلية، ظل المنتخب المحلي يوَجَّه من رجال السلطة، ليس باعتبارهم منسقين للمصالح الخارجية التابعة للإدارة المركزية فحسب، بل باعتبارهم أيضا، مراقبون لوتيرة العمل التدبيري داخل تراب الجماعات. وهذا ما جعل قرار المستشار الجماعي مرهونا بتأشير قبلي وبعدي لكل ما يعتزم المجلس الجماعي تنفيذه. وهذا يفتح في حد ذاته مجالا للتفكير في مدى استقلالية المنتخب عن القرارات المركزية للدولة وللأحزاب التي يمثلها المنتخب، كما لا ينفصل ذلك عن المناخ السياسي العام والصراعات الحزبية والمصالح الشخصية للمنتخبين المحليين. كما لا يخلوا هذا الوضع من استحضار مبررات السلطة الإدارية في تدبير الشأن المحلي بدل مراقبته، إذ تبين التجربة الميدانية، حسب هؤلاء، أن المنتخب المحلي يعاني عوزا مزدوجا: يكمن في ضعف قدرته على وضع البرامج وتفعيلها، كما أنه غالبا ما لا يكون محايدا ونزيها في عمله التدبيري للشأن الجماعي، لذا، علينا، حسب المدافعين عن توجه السلطة الإدارية، التدخل في توجيه بوصلة التنمية نظرا لعدم قدرة المنتخب المحلي على إظهار كفاءته الجيدة، بل لابد من محاسبته في مدى احترامه لمساطر التصرف في المال العام.

– نقص في التأطير والتكوين في مجال التدبير الترابي: إذ لا يمكن لمجالس جماعية تعرف نسبة عالية من الأمية، سواء على المستوى المحلي أو داخل المجالس الإقليمية والجهوية. بل حتى الذين يسهرون على التشريع داخل قبة البرلمان بغرفتيه، تحتل الأمية المرتبطة بغياب تكوين أكاديمي ملائم لإنتاج خطاب سياسي وتدبيري وتنموي يليق بالطموحات، تحتل مراتب مهمة بين المرشحين إلى قبة التشريع. ولا يمكن بالتالي، الحديث عن وجود هيئة منتخبة داخل المجالس الجماعية قادرة على إحداث تحولات ترابية changements territoriaux إلا نادرا، ومبرر ذلك أن المجالس الجماعية تحتاج مستوى من الوعي في قراءة القوانين التنظيمية، مع امتلاك حس نقدي في تنفيذها وتطويرها وامتلاك تغذية راجعة لإعادة تبيئتها حسب الشروط المحلية، مع امتلاك القدرة أيضا على مواكبة التحولات المجالية الوطنية والدولية، ليكون المجلس والجماعة الترابية فعلا رهانا واقعيا وتدبيريا قادرا على رفع تحديات إحداث تغيرات ممكنة.

– نقص الإمكانيات المالية واللوجيستيكية: إن من يتحدث عن المجالس الجماعية والجماعات الترابية، لابد أن يراعي انعدام التجانس من حيث الإمكانيات، بل حتى مسارات العثور على هذه الإمكانيات، فالعلاقات الفردية والحزبية والعلاقة بين الفاعلين الآخرين، وعلى رأسهم السلطة الإدارية، كلها تحدد مستوى المجالس الجماعية، وهنا لا يصح مثلا محاسبة جماعة ترابية قروية في إحدى الأقاليم الهشة بجهة درعة تافيلالت، مثلا بجماعة قروية أو حضرية بجهة الدار البيضاء سطات، التي ساعدها ” الحظ الترابي” chance territoriale في الحصول على موارد مالية كافية وتوفير موارد مادية وقنوات تواصل سلسة لتسهيل إمكانية تنفيذ برامجها. ودون الدخول في الأرقام والاحصائيات، لا يمكن التعامل بمنطق المحاسبة ذاته بين جماعة ترابية يكاد حصيصها من الموارد الترابية يؤول نحو الصفر، بل قد تستنزف في موارها وتصبح مصدرا لتمويل ترابات territoires أخرى، مع جماعة ترابية نالت من القرب من مراكز القرار أو على الأقل، تستفيد من قربها من الجماعات الترابية الحضرية والقروية التي من شأنها المساهمة في تغطية الضعف الترابي الذي تعانيه هذه الجماعة أو تلك.

– ضعف التواصل بين المجالس الجماعية والساكنة: من التحديات الكبرى التي تعرقل سير المؤسسات المنتخبة هو ضعف التواصل بين المنتخب المحلي والساكنة. وطبعا، يظهر السؤال الأساس كلما طرحت قضية التواصل هذه: من المسؤول عن غياب التواصل؟ هل المنتخب المحلي الذي لا يتوانى في إغلاق باب التواصل، بمجرد تيقُّنه من النجاح النهائي في الاستحقاقات الانتخابية؟ هل المسؤول هو ذاك المواطن الذي هو نتاج ثقافي لسيرورة تبخيس لكل ما هو سياسي، إلى حد يرفض أي تواصل مع المنتخب المحلي، وتلك الساكنة التي تضمر في لاوعيها تاريخا طويلا من النبذ الممنهج لكل من سولت له نفسه الدخول في غمار الانتخابات؟ لكن، ومهما كان الجواب، فالمؤكد منه، أن التواصل يكون منقطعا أو يكون في أغلبه ناقصا أو شكليا لا يقدم حقيقة كل طرفي التواصل. ومهمة أعادة بناء التواصل السياسي والتدبير على أسس واضحة وشفافة، ملقاة اليوم على عاتق المجالس المنتخبة أولا و الدولة ثانيا، والمؤسسات الحزبية ثالثا، لاسيما في إعادة صياغة آلياته وقنواته، تجنبا لهذا الوضع الذي يظن فيه المنتخب المحلي أنه في أوج تواصله، لكن الواقع، يثبت، سواء في خطابه السياسي أو التدبيري أو في التسويق لصورته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أنه يكرس نوعا أعمق من “اللاتواصل”.

 

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق