المعركة
الحكامة، والعدالة المجالية…حديث في العمق.
بقلم: إبراهيم أونبارك
هل توَصَّلنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى إلى حقيقة لم نستصغها؟ أولم نكن نتقبلها، أو ربما لم نكن نعرف مغزاها حتى؟ تلك التي أدركنا بعد تشخيصات ترابية تلوى أخرى، وخطابات سياسية وتنموية بعد أخرى، وبعد بحوث أكاديمية وتقارير دولية أُنجزت وتنجز، أن معضلتنا التنموية نتجت في مجملها عن غياب حكامة ترابية gouvernance territoriale قادرة على تخليصنا من الاختلالات المتداخلة حد التعقيد complexe. وطبعا كان لعامل الزمن يد قوية في تكريس أزمة ترابية إلى حد، لم ينفع معها علاج “إحداث مؤسسات ساهرة على تصحيح العطب”، كما لم تنفع معها الترسانة القانونية، رغم جودتها، ولا صيغ التقسيم الترابي، ولا حتى الإرادة السياسية إن وجدت.
لقد كان منطلق التحدي حيث كان ترابنا في المتناول، سواء من حيث الكثافة السكانية، أو من حيث الحاجيات الترابية: من تطبيب وتعليم وشغل، وغيرها من مقتضيات العيش الكريم في زمن قلَّ فيها الطلب وكانت الندرة سيدة الموقف. بل كان الانصاف الجغرافي إلى جانبنا، إذ كانت البلاد والعباد يضمنون نسب تساقطات مطرية سنوية “مُطَمْئِنة”( ليس فقط للنفوس، بل أيضا للخطاب السياسي الخالي من هذه الضغينة التي تسكنه اليوم)، كما كانت الساكنة تضمن شغلا محليا يستند على الأرض ومن الأرض. لأنه كان نشاطا فلاحيا معيشيا لم تكتسيه بعد، تلك المخططات التي ربما أزمته أكثر مما أصلحته.
أنذاك، لم تكن السياسات العمومية تفكر في المغرب الذي قد يكون، بل يقف تفكير النخبة المدبرة عند المغرب المتاح، أو ربما الذي أراد له مدبروه أن يكون، مغربا بتراب تستحوذ عليه النزعة الإدارية( رغم إيجابياتها) والنظرة الأمنية الضيقة( رغم أهميتها) تدبير ذي هيمنة رجولية domination masculine أقصت المرأة والطفل، كما أقصت الجبل والتل والواحة على حساب السهل، لأنه الأسهل للاستغلال، لاسيما بعدما أرشدنا إليه المستعمر وعلَّم الإقطاع كيف يتصارع فيه وبه وعليه.
لندرك بعد عقود خلت، أن سياساتنا الترابية politiques territoriales لم تكن إلا حلولا لحظية بعين لا تتجاوز حدود المراكز الكبرى، أما ما دونها ، فقد ظلت فيه التنمية والحكامة والعدالة المجالية شعارات عاطفية، أرادت من الهامش أن يتشرب هشاشته بعمق، وأن يحافظ عليها كنموذج لتراب يصلح كشظايا انتخابية لتجديد الحديث عن مأسسة هذا التهميش كلما حان موعد التصويت. تلكم كانت الحكامة في صنفين من المدبرين، بلا زيادة ولا نقصان: مدبر يعرف أن “هشاشة الحكامة وتكريس اللاعدالة المجالية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، هو وقود، وطاقة ناجعة لاستمرارية “الخطاب شبه التنموي” الذي لا يحمل بين ثناياه إلا الثبات والاستقرار وإعادة إنتاج ذات الوضع، أما الصنف الثاني من المدبرين، فكانت رغبته أقل بكثير من التحديات الكبرى التي تجثم على التراب، لذا كان يقف عن مخططاته ومشاريعه بمجرد أن يواجهه أول عائق أو تحدٍ.
وهنا، قد يسأل سائل: ما الحل إذن؟ بعد كل هذا التراكم من النوايا المتعددة والمتناقضة في إخراج مجالاتنا الوطنية من فوارق، نتجت، من بين آخر ما أنتجته، صيحات شبابية وخرجات متتالية لساكنة هنا وهناك، لا تطالب إلا بما كان طلبها، وطلب القوى الحية في البلد، منذ عشريات مرت، سنقول أن الحل لن يكون مجرد تعريف الحكامة أو مأسستها في ثوابت دستورية مبنية على النزاهة والشفافية والمقاربة التشاركية، بل الحكامة التي لابد أن نبتغيها هي ببساطة: “طريقة في التفكير” une façon de penser وأسلوب عيش، بل الحكامة “آليات تسيير”، تُربَّى داخل الأسرة وفي المدارس والجامعات وفي المؤسسات الدينية والاقتصادية والاجتماعية. ودون هذه الحكامة التي ستصبح ميكانيزمات تفكير وتطبيق، لن نستطيع التخلص من الأنانية الترابية Ego territorial (الذي لا يعني الغيرة على التراب البتة) حيث لا يفكر المدبر إلا في مصالحه الخاصة التي يرى أنها ستتحقق من خلال خيرات وثروات التراب، وهي ذاتها الأنانية التي انتقلت إلى المؤسسات الحزبية ومؤسسات التشريع والتنفيذ، فلا يمكن أن نجد حكامة مجسدة فعليا عن طريق الشعارات، بل عن طريق الممارسة والسلوك اليومي الفردي قبل أن يكون جماعيا.
والأمر ذاته إذن يسري على العدالة المجالية، فإذا كانت الحكامة أسلوب عيش فردي وجماعي مثلما سبق ذكره أعلاه، فيمكننا أن نعترف بصدق بفوارقنا المجالية وباختلالاتنا الجغرافية والسياسية والاجتماعية والثقافية والبيئية وغيرها، ولن تبقى هذه العدالة مجرد برامج ومخططات واستراتيجيات وقوانين منظمة فحسب، وإنما هي أيضا نمط حياة ونمط عيش، فحينما يغيب العدل الفردي، وحينما يكون الشخص في استعداد تام لأخذ ما ليس له أو الحاق الضرر بالممتلكات العامة والخاصة تحت مبرر أنها خارجة عن ملكيته أو لا تهمه، فمهما شيدنا من المباني والمؤسسات، فحكامة المستشفى لا تكمن في جودة البناية رغم أهميتها، بل في كفاءة وصدق وتضحية الطبيب، وحكامة المدرسة لا تكمن في القسم ولا في الطاولات المدرسية رغم مكانتها المهمة في العمل كله، بل في ضمير المدرس وقدراته وامتلاكه لضمير حي ومستمر للاشتغال بمعية المتعلمين بغض النظر عن الظروف، التي لابد أن تكون جيدة فعلا، لأنها حق من حقوقه المواطنة، وغيرها من الأمثلة. فلن يفلح كل ما قد نشيده في تخليصنا من عطب الاتكالية وعدم القدرة على أخذ زمام المبادرة، وسيبقى الجواب في أغلب الأحيان تحت ذريعة، أن الفرد ليس مسؤولا عما يكابده التراب(أكان مدينة أو حيا أو قرية، أكان جبلا أوسهلا)، وسيبقى القاطن على الأرض يتخيل أن هناك نظرة فوقية وميزانية “عليا” ومدبرا لا علاقة له بهذه الأرض، وحده الموَكَّل إليه تغيير الوضع نحو الأفضل، وهنا، يكمن الشرخ والفرق، وهنا يكمن “العطب ” المشبع بالتأجيل إلى حين.
فلا يمكن إذن، للمجالات أن تحقق العدالة إذا لم يكن الإنسان عادلا، أولا بينه وبين ذاته، ومهنته ومهامه، ولا يمكن للحكامة أن ترقى إلى مستوى التجويد المستمر كسيرورة دائمة، إلا إذا تشبع المواطن بتربية النزاهة الذاتية والشفافية الفردية والمشاركة بصدق فيما يراه ملائما للسير بكل ما هو جماعي نحو الأحسن.










































