الخطاب الملكي….أخلاقي، حقوقي وتنموي

11 أكتوبر 2025
الخطاب الملكي….أخلاقي، حقوقي وتنموي

المعركة

الخطاب الملكي….أخلاقي، حقوقي وتنموي

 بقلم: إبراهيم أونبارك

ألقى صاحب الجلالة خطابه الدستوري بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة، في ظروف داخلية وخارجية استثنائية، لاسيما من حيث الحركية التي عرفها الشارع المغربي خلال الأسابيع الأخيرة. وقد حمل الخطاب الملكي في شكله ومضمونه حنكة ملك، يعرف قواعد وأصول خطاب ينم عن فهم عاهل البلاد العميق بقضايا المرحلة ورهاناتها وتحدياتها، بل يحمل بين ثناياه تصورا ورؤية ملكية كرسائل مباشرة وغير مباشرة لكل القوى الحية ولحكومة كانت محط الكثير من الجدل، وفي فترة، عبرت فيها فئة من الشباب عن مطالب ذات طابع اجتماعي كأساس للتغيير.

إذا كان المجال لا يتسع هنا لتفكيك مغزى جل المفاهيم التي بُني عليها خطاب الافتتاح التشريعي لجلالة الملك، فهو يتيح لنا، منذ القراءة الأولية على أنه خطاب حقوقي، أخلاقي وتنموي.

– خطاب أخلاقي: إذا كانت نداءات القوى الحية في البلاد تنادي بضرورة تخليق الحياة السياسية والتدبيرية لأنه المدخل الأنجع لبلوغ الحكامة المتوخاة، فإن خطاب جلالته، وإلى جانب كونه عبارة عن تقديم لتصور ولرؤية واضحة من رئيس دولة، يعرف مكامن الخلل في سيرورة ووتيرة الحكامة في شموليتها وفي محليَّتها، فهو خطاب مفعم، في العمق، بتوجيه أخلاقي، يسائل ضمير كل القوى الحية في الأمة المغربية، ومنطلق هذا الخطاب، آيات قرآنية كانت هي البداية وكانت النهاية، قابلة في مضامينها لتوطيد سياسي، تجلى في وضع ثنائية “الخير” و”الشر” بمعناهما الديني والسياسي على حد سواء، في ميزان “المراقبة الأخلاقية الذاتية”، وهي ذاتها التي ستؤسس لرسالة مبطنة، مفادها: ربط المسؤولية بالمحاسبة، وأن من عَمَل الشر سيجنيه، ومن عمل بهذا البلد خيرا سيجنيه.

والخطاب الملكي بالتالي، هو رسالة، بالأحرى دعوة إلى التخليق الفعلي، وليس عبر الشعارات، فقط، للممارسة السياسية وللفعل التدبيري، سواء من لدن الحكومة، ومن لدن البرلمانيين، أو حتى في العلاقة بين الأغلبية والمعارضة. وهذا تشخيص للوضع، وحل لمعضلة كلفتنا فعليا الكثير من الوقت، وضيعت منا الكثير من الفرص. وهنا، يفتح عاهل البلاد رسالة ضمنية أخرى فحواها: النقد الهدَّام لا يجدي، الضرب في الأوراش الكبرى تحت ذريعة أنها من حكومة نحن لها معارضون لا يصلح، وأن ردود أفعال تبخيسية من الأغلبية الحكومية لانتقادات المعارضة وتوجيهاتها ومطالبها لا ينفع. لابد من الجميع أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية أمام الوطن.

وما يضفي على الخطاب الملكي، في نظرنا، هذا البعد الأخلاقي أيضا، هو تضمنه لترسانة مفاهيمية ذات رغبة عميقة في تحويل “الشعارات الأخلاقية” للفاعلين ولكل غيور على الوطن إلى “تغيير ملموس” على حد تعبير جلالته، وذلك عبر “تغيير العقليات، طريقة العمل..” وهي خصال أخلاقية في تجلياتها البرغماتية النفعية التي تقتضي من كل مسؤول أن يقيس فكره وفعله بمدى الآثار التي يتركها على أرض “الواقع الترابي”، وليس على مدى تحقيق مصلحة ذاتية أو شخصية أو حزبية ضيقة. بل حتى عبارة “من غير المقبول..”، “التهاون..” لا تنم عن المحاسبة القانونية والسياسية والاجتماعية فحسب، بل غير مقبول أخلاقيا ألا يكون المدبر الترابي ، أكان منتخبا، أو معيَّنا، أكان فاعلا مدنيا أو سياسيا، ألا يبتغي النجاعة والمردودية وفق العقل الإصلاحي النفعي العام لكل شأن يتولاه أو مشكلة تواجهه.

والأمر ذاته يسري على باطن العبارات، أو بالأحرى المعنى المفعم بالروح الأخلاقية الممزوجة بغيرة، ليس فقط من ملك ومسؤول مركزي في هرم السلطة التدبيرية للمملكة، بل من منطلق مواطن غيور، يترقب خيوط الانزلاقات الأخلاقية في تدبير الشأن العام. وما عبارات مثل: “إعادة النظر، تغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين، مستوى الثقة، الأمانة الملقاة على عاتقكم، خدمة الوطن، النزاهة والتزام، نكران الذات، ….”إلا تعبيرات في صيغة نداء ودعوة أخلاقية، يمكن إعادة استظهارها في صيغة: بينكم وبين ضميركم الأخلاقي والوطني، ومدى صدقكم في الغيرة الحقيقية على الوطن و على المسؤوليات الملقاة على عاتقكم”.

– خطاب حقوقي: لأنه يجمع بين سطوره ومضامينه، الاعتراف بحق كل مواطن ومواطنة، أولا، أن يعبر عن مطالبه، لكن في إطار مؤسسات يخولها الدستور، وما التنويه والإشادة بعمل الحكومة والبرلمانيين على المجهودات المبذولة إلا اعترافا مباشرا بالدور المؤسساتي ولكل من يشتغل في إطار هذه المؤسسات. ولم تخلو عبارات الخطاب الملكي من هذه النبرة الحقوقية، سواء من حيث إضفاء الطابع الحقوق الاجتماعية على الحاجيات المحلية للساكنة، ومن حيث تحقق العدالة المجالية التي تتجلى في ضرورة محاربة الفوارق بين هذه المجالات، أكانت حضرية أو قروية.

ويتجلى البعد الحقوقي أيضا في كون ما ينقص، ليس هو التشبع بحق المطالبة بالأساسيات الاجتماعية من تعليم وصحة وشغل فقط، بل حق المواطن ايضا في التأطير والتوجيه والتوعية، حتى يتسنى له أن يقترب أكثر من فهم منجزات بلده وحكومته ومسؤوليه، إنه حق ” الوعي بشروط المرحلة”، وما يقتضيه ذلك من توجه الدولة نحو تشييد المشاريع الكبرى، وفي الآن ذاته، عدم نسيان الاستمرار في إنجاح حق بلوغ الدولة الاجتماعية، ليس كشعارات فقط، وإنما كفعل يومي مستدام.

– خطاب تنموي: تكاد كل الخطابات الملكية التي فُتحت بها الولايات التشريعية تشكل خرائط طريق وأرضية لتوجهات استراتيجية كبرى، لابد أن تتجاوز، ليس فقط الزمن الحكومي والبرلماني والسياسي، بل أن تعيد بناء العلاقة بين جل الفاعلين، بغض النظر عن موقعهم، ففي 2021 افتتح جلالته الولاية الأولى بورش الجيل الجديد من الإصلاحات، وفي افتتاحية 2022، تم التركيز على الماء وتقوية الاستثمار، وفي 2023تم تجديد التعاقد مع ضرورة استكمال الأوراش الكبرى، أما 2024، فكانت قضية وحدتنا الترابية في بعدها التنموي هي المراد. لتكتسي دورة 2025 خطة “تجديدية” لما تلاه عاهل البلاد في خطاب العرش، وتكريسا لتصور مبني على مفهوم “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية”، وهو مفهوم، قد يظن قائل أنه استمرار لذات التصور الذي أنتج المشاريع التنموية التي دأبت الخطب الملكية على الدفاع عنها منذ اعتلاء جلالته العرش، إلا أن الانفتاح على “الجيل الجديد” من البرامج التنموية هو تعبير عن تقوية الرهان التنموي للتراب الوطني عبر الدفع بكل مسؤول حكومي أو برلماني، أغلبية أو معارضة ليدرك أن زمن “تقزيم الفعل التنموي” فيما هو وطني دون المحلي، الاقتصادي دون الاجتماعي، الحواضر دون القرى، المراكز الكبرى دون الصغرى، السهول دون الجبال…هو زمن تنموي ولَّى، وأن كل خطوة في تدبير التراب territoire تستوجب، حقوقيا وأخلاقيا وتنمويا، امتلاك تصور شمولي، يقلص من “مستوى الأنانية السياسية والتدبيرية” التي كرست خدمة قطاع دون آخر، منطقة دون أخرى، فئة دون أخرى….وهذا ما تجلى في عبارة “المندمجة” التي لا تنفصل في قاموس التنمية عن “العقل التنموي الترابي” الداعي إلى استدماج الحاجيات الاجتماعية والاقتصادية في شروطها الترابية في ذهنية المدبر، والدفع به للعمل على تنفيذها وتفعيلها وفق منطق “رابح- رابح”. وهو منطق مقاولاتي ومعادلة ذات بعد اقتصادي في ظاهرها، لكنها تتحول من منظور استراتيجية التنمية المندمجة، إلى جعل التراب المحلي ثروة مادية رمزية/لامادية، حان الآوان للتخلص من عوز الإعلاء من شأنها والدفاع عنها في الواحة والقرية، في الساحل والجبل.

ليكون الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية إذن، تصور ا شموليا يضعنا أمام جوهر القضايا الترابية في بعدها الأخلاقي والتنموي والحقوقي، تقديم آليات التشخيص ومنطلقات الحلول لتجاوز الاختلالات والحفاظ على المكتسبات، ثم الاستمرار في تحقيق التطلعات في إطار مؤسساتي، لابد من السهر على تقويته ليكون دوما في خدمة الجميع وبلا استثناء.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق