المعركة
نحو مقاربة للسلوك المدني في المغرب: “بين المرجعيات ومتطلبات الحداثة”…
بقلم؛ سعيد معواج التازي
تقديم عام: “السلوك المدني المغربي بين التعطش للماضي وتحديات الحاضر”
لقد عرف المغرب تحولات اجتماعية وثقافية عميقة أثرت على السلوك المدني، بحيث انتقل المجتمع من قيمه التقليدية القائمة على التضامن والالتزام الجماعي(ما يسمى بالعامية الوقار)، إلى فضاء أكثر فردانية تاثر بالتوسع العمراني والهجرة الداخلية، والتي كانت سمة أساسية من سمات حركية هذا المجتمع ، بالرغم من أن بعض القيم مثل احترام كبار السن والتآزر الاجتماعي ظلت ثابتة، لكن مظاهر أخرى ، كاحترام الفضاء العام ومراعاة حق الآخر بالأماكن المشتركة والتي شهدت تغيرات ملحوظة مع الاسف، اخذت مسار الانحراف صوب الفعل السلبي .
فالمجتمع انتج قيمه وفي إطار تطوره بعيدا عن التقنين، بل عبر التوجيه والأمر الأسري وفي احايين كثيرة يستلهم من الصورة الذهنية للاخر ، وهو ما نفتقده مع الاسف اليوم، ونعتبره النموذج، الذي يقتضي المحاكاة .
فعلى مستوى الممارسة اليومية، تتجلى تمثلات السلوك المدني في مدى احترام المواطنين للقوانين، والمحافظة على البيئة، والتفاعل الاجتماعي في الفضاء العام لما يمثله كمشترك يحتكم الى إطار قانوني، وبينما يلتزم البعض بقواعد المواطنة، يواجه المجتمع تحديات مرتبطة بغياب الالتزام بالنظام العام، وانتشار بعض الظواهر السلبية مثل الفوضى في وسائل النقل وعدم احترام الطوابير، كوجه من أوجه سلوك التحضر والتمدن .
فعلى ضوء تقرير جديد للمركز المغربي للمواطنة، والذي خصص رؤيته وقراءته للسلوك المدني لدى المغاربة، نشكره طبعا على اشراكنا في الاطلاع عليها، اذ يمثل التقرير وقفة تقنية علمية ممارساتية، قاربت المظاهر والظواهر على حد سواء .
وقراءتنا المتواضعة هذه تعتبرها اسسا عامة تؤطر المجتمع المغربي ضمن خوارزمية قيم تشتمل على ثنائية الثابت والمتحول ، والذي يظل عماد أية مقاربة نود استقراء الوضع عبرها ، انطلاقا من المحاور التالية:
1-السلوك المدني: “من الإرث الثقافي الى التحولات الاجتماعية”
فقد عرف المغرب خلال العقود الأخيرة تحولات عمرانية واجتماعية عميقة، أثرت على أساليب العيش وكذا تعاملنا مع بعضنا البعض داخل الفضاء العام.
فبينما شكلت قيم التضامن والتآزر أساس العلاقات الاجتماعية التقليدية، ساهم التوسع العمراني والهجرة الداخلية في ظهور أنماط جديدة يغلب عليها الطابع الفردي والتباعد الاجتماعي، والذي زادت جائحة كورونا في تعميقه بالنظر لما تطلبه منطق محاربة الإصابة بالفيروس، وهنا نستحضر مقولة لعالم الاجتماع إيميل دوركهايم: مفادها أن “كل مجتمع يحتاج إلى قواعد أخلاقية مشتركة كي يحافظ على تماسكه، وعندما تتراجع هذه القواعد، يصبح الفرد أكثر عزلة وأقل ارتباطًا بجماعته”، وهو ما يفسر جزئيًا تراجع بعض القيم المدنية في المغرب لصالح أنماط أكثر فردانية.
2-الفضاء العام : الفوضى والانضباط، أين بؤرة الخلل؟
فقد أظهرت نتائج استطلاع المركز المغربي للمواطنة أن 60.7% من المشاركين غير راضين عن احترام المواعيد والالتزام بالوقت ، بينما 46.2% يرون أن احترام الطوابير وانتظار الدور لا يزال ضعيفًا . وتعكس هذه الأرقام أزمة في الالتزام بالنظام العام، وهو ما يثير تساؤلات حول دور التربية والتعليم في ترسيخ هذه القيم.
وهنا يرى الفيلسوف جان جاك روسو: بأن “الحرية الحقيقية لا تعني الفوضى، بل تعني الالتزام بالقوانين التي وضعناها لأنفسنا” ، مما يعني أن تعزيز السلوك المدني لا يكون فقط عبر فرض القوانين، بل أيضًا عبر غرس قيم الانضباط والمسؤولية منذ الصغر.
3- ظواهر تهدد صورة المغرب دوليًا: هل كأس العالم 2030 فعلا فرصتنا للتغيير؟ ادوار ووظائف الاسرة والمدرسة والدولة والمجتمع المدني والاعلام؟
فمع استعداد المغرب لاحتضان فعاليات كأس العالم 2030 ، يرى 36.7% من المشاركين، ضمن ما أورده التقرير الجديد للمركز المغربي للمواطنة حول السلوك المدني لدى المغاربة، أن الحدث قد يكون ذا تأثير شبه محدود على تحسين السلوك المدني، بينما يعتقد 22.7% بأنه سيعزز القيم الحضارية بشكل كبير.
وبالنظر لتراكمات خاصة مثلت تجارب سابقة لمحافل من هذا الحجم ، فالارتقاء بالسلوك يتم الاشتغال عليه قبلا، وليس اعتباطا، مما يستوجب منا ان نستوقف مثل هذه المحطات لاختبار رقي سلوكنا وذكائنا الاجتماعي كما يقول المؤرخ أرنولد توينبي: بأن”الأمم العظيمة لا تُقاس فقط بإنجازاتها، بل بقدرتها على التكيف مع التحديات وتحويلها إلى فرص” ، وهو ما يجعل كأس العالم فرصة ذهبية لإطلاق حملات توعوية تعزز قيم المواطنة والانضباط في الفضاء العام، بدءا من منطق التقائي يجمع برامج التعليم بالعمل الإعلامي الجاد ، اضافة الى حضور قوي للدولة، ضمن مشروع مجتمعي متكامل يدقق في مشتركنا، والذي سيحمل حتما ضمانات النجاح بافق تنموي شمولي، يتقاطع مع البرامج الموجودة اصلا، بانفتاح تام لجميع المتدخلين كل من موقعه .
4- نحو مجتمع ملتزم: “محددات مسؤولية الجميع في بناء المواطنة الفاعلة”
يؤكد التقرير الجديد للمركز المغربي للمواطنة حول السلوك المدني لدى المغاربة، أن تعزيز السلوك المدني يتطلب تظافر جهود الأسرة والمدرسة والقانون والاعلام والمجتمع المدني، على اعتبار تقاسم الوظائف والمسؤوليات.
فبينما يرى 80% من المشاركين أن التربية الأسرية هي العامل الأساسي في غرس قيم المواطنة، يؤكد 59.7% على دور المؤسسات التعليمية في تنمية السلوك الحضاري، بتقاطعات متفاوتة من منطلق المسؤوليات والوظائف لكل طرف على حدى ، وفق مقولة عالم علم النفس مورتون دويتش: والذي يرى ان “السلوك المدني ليس مجرد التزام بالقوانين، بل هو انعكاس لثقافة المجتمع ومدى احترامه للقيم المشتركة لمختلف مكونات المجتمع المتمدن”، مما يبرز قيمة التربية والتعليم على مستوى بناء مجتمع أكثر وعيًا والتزاما .
الخاتمة: بين الأصالة والحداثة” أي أفق لتطوير السلوك المدني المغربي”…
يظهر التقرير الجديد للمركز المغربي للمواطنة حول السلوك المدني لدى المغاربة، أن السلوك المدني في المغرب يواجه تحديات كبيرة، لكنه أيضًا يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية الالتزام بالقيم الحضارية، وبينما يرى البعض أن التحولات الاجتماعية قد أضعفت بعض القيم التقليدية، فإن الفرصة لا تزال قائمة لتعزيز المواطنة الفاعلة عبر التربية والتوعية وتفعيل القوانين، كما ورد بمقولة للفيلسوف كونفوشيوس: حيث قال أنه “إذا أردت تغيير المجتمع، فابدأ بتعليم أفراده”، وهو ما يجعل الاستثمار في العنصر البشري عبر التربية والتوعية حجر الأساس لبناء مستقبل أكثر احترامًا للقيم المدنية.
ومن وجهة نظري المتواضعة ، لاعمال غايات بناء المنظومة القيمية الاجتماعية، ينبغي تعزيز السلوك المدني في المغرب، من خلال التركيز على التربية الأسرية والمدرسية لغرس قيم المواطنة منذ الصبى، مع تفعيل القوانين لضبط الفضاء العام وضمان احترامه، كما أن إطلاق حملات توعوية عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ضرورة حتمية، يمكن أن تسهم في نشر ثقافة الالتزام والمسؤولية .
وأخيرًا وليس آخرا ، ينبغي تحسين جودة الفضاءات العمومية والخدمات المقدمة للمواطنين ما سيعزز الشعور بالانتماء ويحفز الالتزام بالسلوك الحضاري الذي نرجوه جميعنا .










































